محمد حسين علي الصغير
60
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ( 22 ) « 1 » . فالمجيء هنا لأمر اللّه وقدرته وقوته وإرادته ، وليس لذاته القدسية ، لأنه لا يوصف بالذات المتنقلة القادمة أو الذاهبة أو المتحركة ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا . وما يقال هنا يقال في قوله تعالى : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ . . . ( 82 ) « 2 » فالقرية لا تسأل جدرانها بل سكانها ، فيكون التقدير : أهل القرية . وما أستفيد هنا لم يكن بقرينة لفظية مقالية ، بل بقرينة معنوية حالية ، أدركها العقل واقتضاها المقام . وجوه المجاز العقلي : وقد تفنن علماء البلاغة ، بإبراز علاقات هذا المجاز باعتباراته الخطابية والأسلوبية ، وهذه العلاقات ما هي إلا وجوه يقع عليها هذا المجاز ، ويدور في فلكها ، نكتفي بإيراد أشهرها ذيوعا ، وأكثرها استعمالا في القرآن الكريم ، كأنموذج أعلى تقتفي خطاه الاستعمالات الأخرى في اللغة العربية ، فما يرد في كلام البلغاء من العرب يقاس عليه ، وما يستنبط منه يرجع إليه : وفيما يأتي نستعرض ملخصا إجماليا ، وقد يكون إحصائيا في الوقت نفسه ، بوجوه المجاز العقلي ، مطبقة على نماذج من كتاب اللّه . 1 - السببية ، هي أكثر الوجوه استعمالا في القرآن الكريم ، وأشهر العلاقات ارتباطا فيه ، وأمثلته متوافرة في حدود كثيرة لا تحصى ، ومعالمه منتشرة لا تستقصى ، إذ كثيرا ما يطلق هذا المجاز في القرآن مسندا إلى السبب ، وإن بدا العامل فيه الفاعل ، ولكن التحقيق يبدي خلاف ذلك مما يوحي بطبيعة إرادة المجاز : أ - قال تعالى : وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً « 3 » فقد نسبت
--> ( 1 ) الفجر : 22 . ( 2 ) يوسف : 82 . ( 3 ) الأنفال : 2 .